الحج .. رحلة الروح والبدن

قد لا يخطر ببال الشخص الذي يعتزم أداء مناسك الحج للمرة الأولى في مكة المكرمة مقدار العناء البدني والمسافات التي سيقطعها سيراً على الأقدام ، وذلك المناخ الصحراوي القاسي الذي سيقضي أياماً في كنفه ، فكل ما يدور في ذهنه من صور هي الشعائر الدينية التي سيقوم بها والتي يجب أن يلتزم بها بحذافيرها خطوة خطوة ومنسكاً منسكاً ، وهو يلتحف قطعتي قماش أبيض غير مخيط إن كان الحاج ذكراً ، أو اللباس العادي الطويل مع الحجاب إذا كانت أنثى ، وضمن الظروف الصحية الأساسية العامة فقط دون رفاهية أو أي مظهر من مظاهر التميز .

ومن المعروف أن الحاج سيقضي جل وقته في الدعاء والتلبية والصلاة والتسبيح والقيام وأداء الفرائض والسنن والمناسك في روحانية عالية ، متناسياً كل ما في الدنيا من مشاغل وأعمال ، ونائيا بفكره عن كل مطمع في الدنيا ، ومتخيلاً نفسه يقف بين يدي ربه يوم العرض الأكبر للحساب الأخير ، وذلك أمر طبيعي ومتوقع ، ولكنه قد يطغى على عناية الحاج بنفسه وصحته إلى درجة الإهمال ، وهو مما يتعارض مع التوصيات الدينية الأساسية ، وقد تزيد هذه الظاهرة مبالغةًً إذا كان الحاج ممن يتمنون الوفاة أثناء أداء هذه المناسك على أنها قربى لله عز وجل .

و مما يزيد من أداء مناسك الحج عناءً  ، ذلك العدد الهائل من الحجاج في تلك الأيام المعدودات ، فالحرم المكي يتسع عادة لمائتي ألف زائر في الأيام العادية ، ولكنه سيغص بالملايين من الحجاج على مدار خمسة أيام ، وهذا الأمر يتطلب عناية صحية وطبية تتحمل السلطات المحلية العبء الأكبر منها وتشمل جميع المجالات وبجاهزية عالية ، ومع كل هذه الخدمات العظيمة المتوفرة بيسر وسهولة ، فإن ذلك لا يعفي الحاج من مسؤوليته في الحفاظ على صحته ، خصوصاً إذا كان من ذوي الأمراض المزمنة ، فعلى أفراد هذه الفئة التزود بالمشورة الطبية في بلدانهم قبل المغادرة إلى الأراضي المقدسة ، والعناية بأنفسهم وصحتهم قبل السفر بمدة ، فليس من مناسك الحج وتعاليم الدين الحنيف الإضرار بالنفس والجسم وعدم حمايتهما من عوامل الخطورة ، فهناك أخطار يتعرض لها الأصحاء والمرضى من الحجاج ، ولابد من الإنتباه إليها والتنبيه عليها ، ولمرضى السكري الأولوية في الاستشارة الطبية ومراجعة الحالة الصحية العامة قبل السفر بفترة غير قصيرة من أجل :
  • التأكد من وجود لياقة صحية وحد أدنى من الخطورة على الحياة
  • التعديلات العلاجية المناسبة في علاج السكري
  • التعديلات العلاجية المناسبة لأمراض المضاعفات المزمنة
  • مشكلة حرارة الجو العالية والحماية منها
  • الوقاية من إصابات حرارة الجو العالية ،  إصابات القدم ، الإنتانات ، الأمراض العارضة
  • توصيات عامة للسفر والإنتظار في المطارات أو المحطات حتى الوصول إلى منطقة الحرم

1-  العناية بالإصابة السكرية :
يشكل السكري مشكلة حقيقية أثناء مناسك الحج في معظم مناسكه ، ليس من أجل تحقيق ضبط سكر الدم فحسب ، بل بسبب تعدد عوامل الخطورة التي تسهم في فقدان السيطرة على سكر الدم بشكل خطير، ويوصى الحاج المصاب بالسكري بوضع أدويته ومستلزماته العلاجية في حقيبة اليد وعدم تركها في حقيبة الملابس أو في مخزن الأمتعة في الطائرة ، خصوصاً المرضى المعالجين بالإنسولين ، إذ لا ينبغي أن يتجمد في مخزن التبريد ، أو في البراد أثناء الإقامة في الديار المقدسة .
وإذا حدث طارئ صحي من أي نوع لمريض السكري ، فإن تحقيق السيطرة الفعالة على سكر الدم والمراقبة والمتابعة أمر بالغ الأهمية لجميع أنماط الإصابة السكرية ، كما أن جميع مرضى السكري في أجواء الحج أكثر عرضة لحالات نقص سكر أو الإرتفاع الشديد لسكر الدم ، فالعوامل المسببة والمتناقضة جميعها متوفرة خلال هذا المؤتمر الإسلامي ( فرط الجهد البدني ، فرط الحرارة ، فرط الطعام ، اضطراب مواعيد الوجبات ، العوامل الإنتانية ، العدوى ، . . . ) ، ولكن من الأهمية تنظيم جميع الأمور والفعاليات اليومية ، فمن الضروري مثلاً زيادة كمية الطعام المتناول قبيل البدء في المناسك ، وحمل كمية من الطعام والماء في مختلف المراحل ، ومراقبة سكر الدم بشكل متكرر ، مع الأخذ بعين الإعتبار إمكانية وجود إختلاف في أنواع الإنسولين المستخدمة في موطن الحاج والمتوفر في المملكة العربية السعودية ، ولا يغيب عن البال أهمية وجود شخص مرافق على دراية بأعراض وعلامات نقص سكر الدم وارتفاعه .
وكل ما سبق يستوجب وجود برامج للتثقيف تتعلق بالسكري وخصوصية مناسبة الحج ، والعنايات النوعية بالإصابة السكرية بما فيها الغذاء والدواء والمراقبة والجرعات والتعديلات العلاجية مسبقة الإعداد ، والتحصين ضد الأمراض ، والمحافظة على التوازن المائي والشوارد في الجسم ، والعناية بالمضاعفات المزمنة والوقاية من إصابات القدم بشكل خاص .

2- مشكلة الشمس الحارقة والحرارة العالية :
 فليس من السهولة التأقلم سريعاً مع حرارة الجو الصحراوي في وادٍ غير ذي زرع ، حيث تكون الشمس المدارية لاهبة وقريبة من الوضعية العمودية ، ويقدر معدل الحرارة في فصل الشتاء في مكة المكرمة 30 درجة مئوية نهاراً و 20 درجة مئوية ليلاً ، و ذلك شبيه بصيف بلاد الشام الذي نعتبره حاراً ، ولكم أن تتخيلوا كم تصبح هذه الحرارة خلال أشهر الصيف في أم القرى وما حولها ، إذ تصبح الحروق الشمسية  أشد خطورة خصوصاً بالنسبة لأصحاب البشرة البيضاء والرقيقة ، ومع أن لباس الإحرام الأبيض يعمل كعاكس للأشعة الشمسية المؤذية ، وربما المظلات البيضاء أيضاً ، مع توفر مرذات الماء في الشوارع ، فإن إفراز العرق وخسارة الماء والأملاح من الجسم لا مفر منه ، و يبقى أمراً ذا تأثير كبير على سلامة الحاج ، ومرضى السكري أيضاً .
ونلخص التوصيات العامة والهامة التي يجب توصية الحاج السكري في هذا المجال :
  • تجنب قضاء وقت طويل تحت أشعة الشمس ، خصوصاً وقت الظهيرة والعصر
  • السفر ليلاً ما أمكنه ذلك
  • تجنب أماكن الإزدحام والإندفاع الجماعي من الناس
  • إبقاء الرأس تحت المظلة البيضاء أثناء تأدية المناسك
  • تناول كميات كبيرة من الماء والسوائل يومياً وبشكل متكرر
  • إحمل الماء للشرب حيثما يتنقل الحاج
  • زيادة كمية الملح المتناولة مع الطعام أو تناول حبوب الملح
  • تجنب السفر والتنقل في وسائل النقل المكشوفة

وفي الحقيقة ، تحدث ضربة الحر لدى الأشخاص الذين لم يتأقلموا مع الطبيعة الحارة ولم يلتزموا بالإجراءات الواقية وبالغ في بذل الجهد البدني ، إذ أن نقص سوائل البدن والأملاح عن طريق التعرق والتبخر الجلدي من الأسباب الرئيسية لضربة الحر ، ويقدر ما يفقده الشخص يومياً من الماء 5 لترات و من الأملاح 20 غراماً ، وتبدأ أعراض ضربة الحر  بالشعور بالتجفف والوهن ونقص النشاط ، ثم دوار وتشنج العضلات الإرادية المخططة ، والتي تزول بالراحة والتبريد اللطيف وتعويض السوائل والأملاح .
ويمكن لضربة الشمس أن تحدث بعد 20 دقيقة من مزاولة الجهد البدني في جو حار ، ويصبح الجلد ساخناً مع غياب التعرق بشكل واضح و كامل ، وتشكل هذه الحالة خطورة بالغة على حياة الأطفال والمسنين ومرضى السكري ، وتستوجب الحالة البدء فوراً في معالجة الحالة ونقل المصاب إلى مكان ظليل مبرد بتحريك الهواء الممتزج مع رذاذ الماء الفاتر ، وإعطاء السوائل عن طريق الفم إذا كان المريض واعياً ، مع تبديل ثيابه ، بينما يحتاج المصاب غير الواعي للعناية المركزة والخبرة المتخصصة ، وعادة لا ينصح بوضع المصاب في أحواض الماء المثلج ، ذلك أن التقلص المفاجئ للأوعية الدموية تسبب فيما بعد ارتفاع حرارة الجسم الإرتكاسي وربما كان لها أضرار أخرى .
وعلى الرغم من تزويد أماكن تجمع الحجاج وطرق الإنتقال بمرذات الماء التي تعمل على ترطيب الجو الخارجي ، فإن ذلك لا يغني عن تناول الماء طوال فترة قضاء شعائر الحج والتنقل والإقامة .

3- العناية بالقدم  :
ومن المشاهد الملفتة للنظر أن معظم الحجيج يتنقلون سيراً على الأقدام ويقطعون مسافات طويلة ولفترات طويلة ، وعلى ذلك يوصى بانتعال الحذاء المناسب وبمواصفات صحية توفر التهوية والراحة للقدم ، ففي أيام الحج ترتفع حرارة الرمل والأرض بما يكفي لسلق بيضة الدجاج ، ولنا أن نتصور ما يمكن أن يحدث لجلد القدم من حروق ، وتصبح هذه الحروق أشد خطورة عند مرضى السكري ومرضى الإعتلال العصبي ، إذ من الممكن أن تتطور الإصابة بسرعة مذهلة إلى ما هو أسوأ مع تراجع قدرة الجرح على التندب وإمكانية حدوث إختلاط الإنتان وانتشاره في العضو المصاب أو تعممه عن طريق الدم .
وعادة ما يخلع الحاج نعليه عند الصلاة ، ومن المتوقع أن تختلط الأمور بعد انتهاء الصلاة فلا يدري صاحب النعل أي نعل له ، هذا إذا لم يفقد نعله فعلياً ، فإما أن يعود حافي القدمين إلى مكان إقامته المؤقت ضمن الأجواء المذكورة آنفاً  ، أو أن يضطر إلى انتعال نعل ليس بمقاس قدميه ، فتحدث الرضوض والسحجات بسهولة أكثر ، وعلى ذلك ينصح الحاج بوضع نعله في كيس إلى جانبه تجنباً لماً ذكر.

4- خطورة الأمراض الإنتانية :
التلقيح ضد التهاب الكبد والملاريا ، مع أهمية الالتزام بالمعايير الوقائية واستبعاد مصادر الخطورة ومسببات العدوى . والتلقيح ضد التهاب الكبد ب ، والكزاز وإنتان قشر الدماغ ، والتيفوئيد والدفتريا والسل ، مع توصية الحاج بطلب المشورة الطبية دون تلكؤ في البلد المضيف لأي عارض صحي غير مألوف كالحمى ، الإسهال ، اليرقان ، تقيح الجلد ، الصداع المستمر الحاد ، الدوار ، الإنهاك المستمر، السعال المستمر ، الأعراض الصدرية والتنفسية ، حتى بعد العودة إلى أوطانهم بفترة .
وتصر السلطات الصحية السعودية على أن يتلقى جميع الحجاج لقاحاً من ACWY Vax بجرعتين ( خلال ثلاثة أشهر متفرقة ) مع لقاح السحايا ، إذ يوجد سنوياً عدد من الإصابات بإنتان السحايا بالمكورات السحائية  ، ويعتقد أن التمنيع يستمر لثلاث سنوات تقريباً ، ويطلب التثبت من أخذ هذه اللقاحات قبل منح تأشيرات الدخول للمملكة .
ويذكر أن أحد شعائر الحج هو حلق الرأس تماماً بالنسبة للذكور ( مع وجود ترخيص شرعي بتقصير الشعر ) ، ويتم ذلك باستخدام الشفرة أو موسى الحلاقة العادية ، وعادة ما يقوم بهذا العمل أشخاص لا يمتهنون مهنة الحلاقة أصلاً وليسوا على ثقافة ومهارة كافيين ، وهذا مما يزيد من زيادة معدل خطورة نقل الأمراض الوبائية والفيروسية ( الإيدز - التهاب الكبد B,C )  من شخص لآخر نتيجة الإستخدام المتكرر لأداة الحلاقة وعدم استبدال الشفرة والتخلص من المستعملة ، مع الأخذ بعين الإعتبار أن كثيراً من الحجاج يقدمون من مناطق تستوطن فيها مثل هذه الأمراض ، ويعتقد أنهم ناقلون لمثل هذه الأمراض . ولا غنى عن تثقيف الحاج حول مدى خطورة إهمال القواعد الصحية العامة . ومن حسن الحظ ، ولكون العلاقة الجنسية الطبيعية بين الأزواج محظورة أيضاً خلال فترة الإحرام في الحج ، فإن إنتقال الأمراض الجنسية تكون في حدودها الدنيا في هكذا مناسبات .

5- الجروح والرضوض :
من الشائع التعرض للجروح الصغيرة والرضوض خلال فترة الحج ، ولكنها تتركز في أصابع القدمين نتيجة وطء الأجسام الصلبة ، أو الدوس عليها عفوياً من قبل الآخرين في مناطق الإزدحام ( الطواف ، السعي ، رمي الجمرات ) ، ويكون مرضى السكري أكثر عرضة لتحول  الجروح الصغيرة إلى مدخل واسع  للإصابات الإنتانية المميتة خلال النفرة إلى منى ورمي الجمرات ، وتتضاعف هذه الخطورة عند المرضى المذكورين إذا ترافقت الإصابة السكرية بإعتلال الأعصاب المحيطية ، وعلى ذلك لابد من نصح مرضى السكري بتجنب ذروات الإزدحام ، خصوصاً أن نسبة عالية من الوفيات أثناء أداء مناسك الحج تكون نتيجة اندفاع الحجاج الهائل أثناء المرور والتنقل والتصادم ، ثم الدوس خطأً على من يقع على الأرض ولا يتمكن من الوقوف ثانية ، ولا بأس بنصح الحاج المريض بالأخذ بالرخص وتوكيل آخرين برمي الجمرات لاستكمال تأدية مناسك الحج .

6- الأمراض المزمنة :

ينصح دوماً لمرضى الأمراض المزمنة بأخذ مؤونة كافية من المستلزمات العلاجية ، وحمل بطاقة تدل على نوع مرضه والعلاجات التي من المعتاد أن يتناولها ، بالإضافة إلى إسمه والبلد الذي قدم منه ، فذلك يساعد كثيراً على تقديم الخدمة الإسعافية النوعية في الحالات الطارئة في المراكز الطبية التابعة لمناطق أداء مناسك الحج ، ويعتقد أن بعض العلاجات الدوائية لارتفاع التوتر الشرياني يستوجب إعادة النظر في التداوي بها خلال فترة الحج أو استبدالها بأنواع أخرى ، مثل بعض المدرات .

7- أمراض الفم والأسنان :
يوصى دوماً بإتمام العلاجات الفموية والسنية قبل التوجه إلى الحج بفترة ، وعدم إهمال صحة الفم وقائياً في سياق المتعة الروحية التي يحلق بها الحاج أثناء رحلة العمر ، فلابد من اقتناء وسائل العناية بنظافة الفم ، وبعض المسكنات للحالات الطارئة من الإصابات السنية ، حتى زيت القرنفل يمكن أن يؤدي وظيفة تسكينية سريعة خلال مختلف مراحل أداء المناسك ، وهذه العناية أساسية لمرضى السكري ولغير السكريين ، وتقلل من العوامل المؤهبة لاضطراب سكر الدم غير المفسر عند المصابين بالداء السكري .

8- فيما يخص الإناث والسيدات :

يعتبر الحيض من مفسدات مناسك الحج والصلاة ، ومن هنا تتطلب هذه المسألة حلاً للسكريات وغير السكريات ، ولا تتقبل أي أنثى بعد العناء المادي والمعنوي والسفر والوقت والجهد أن يفسد حجها ، لذلك فإن تأجيل حدوث الدورة الشهرية باستخدام حبوب موانع الحمل المركبة أو تناول البروجيستيرون يومياً يحل المشكلة، وهذا الأمر يتطلب إستشارة مسبقة ، وإعداداً مسبق ، ضمن خطة زمنية محددة قبل السفر والحج .

9- الصيام في مناسك الحج :
يجب تقييم الحالة الصحية للحاج السكري بشكل عميق وشامل ، والأخذ بعين الإعتبار وجود المضاعفات المزمنة ، نوع العلاجات التي لا يجب التخلي عنها ، الوسط البيئي والمناخي الحار ، ومناقشة الأمر مع الشخص المستشير بكل جوانبه ، فإن لم يتوفر الأمان الصحي لصيام الأيام الثلاثة في الحج ، والسبعة عند العودة ، فلابد من الأخذ بالرخص .
 وأخيراً ، فكم يحتاج الطبيب إلى توفر الثقافة الصحية و الوعي عند المريض السكري والمرشد الديني المرافق له أثناء الحج لضمان سلامة هذا الإنسان ، وذلك يحتاج إلى برامج تثقيفية عامة قبل مواسم الحج بفترة طويلة ، مع التركيز على النقاط الهامة قبيل بدء هذا الموسم الذي تطغى فيه الروحانية على قواعد السلامة والمحافظة على الحياة ، وعلى الطبيب المستشار أمام مريضه الذي يعتزم الحج والعمرة أن يعيد التوازن بين الروحانية واستمرار الحياة.